الداعية أحلام مستغانمي، صباح الخير

1
لمن يقرأ / تقرأ شعراً وروايات؟ طبعاً لأحلام مستغانمي ونزار قباني.
ــ وماذا (مثلاً)عن دستوفسكي وبوكوفسكي؟.
ــ لا أعرفهما.
ــ لم لا تحاولين؟.
ــ لا أريد، فأحلام ونزار يمنحاني كل شيء كالحب والشعر والحرية بسهولة، بينما أنا في المطبخ أحشو (الكوسا) أو أفرم اللحمة أو ألعب التنس أو الشدة، أو أحادث صديقاً على الموبايل، دون تعقيدات لغوية وإحالات نفسية وتاريخية وفلسفية مرهقة (الصياغة اللغوية مني بالطبع).
ــ لكن أدونيس ومحمود درويش وأنسي الحاج لديهم الكثير؟.
ــ يا أخي أنا مرتاح / ة مع أحلام ونزار، ما الذي يتعبك أنت؟.
ــ أريدك أن تقرأ / ئي سالنجر.
ــ سالنجر؟ كيف سأقرأ مكوك فضاء؟ هل أنت مجنون؟.

2
"لا تطمئنّي إلى رجل انصرف عن طاعة الله مأخوذاً بدنياه، إن من لا يعترف بفضل الله عليه لن يعترف بجميلك، ومن لا يستحي من ملاقاة الله مذنباً، سُيذنب في حقّك من دون شعور بالذنب، ومن ترك صلاته وصيامه بذرائع واهية، وتربّى عليها، سيعثر حين يشاء على الذرائع التي يحتاج إليها لتركك".
هذا الكلام ليس لعمرو خالد أو للقرضاوي، إنه لأحلام مستغانمي (الداعية)، وهو نصيحة من عشرات النصائح الدينية تكتبها صاحبة "ذاكرة الجسد" للمرأة العربية في صفحتها على (الفيس بوك)، من الرواية إلى الدعوة، حتى الضحك لا يصلح هنا كوسيلة تعليق، ماذا علينا أن نفعل إذاً، نحن الذين نظن أننا حراس للجمال والعمق والكبرياء الأدبي؟.

3
سنوات طويلة مضت على قراءتي (ذاكرة الجسد)، أتذكر دهشتي باللغة والشفافية والمزج الجميل بين الوطن والحب، لكنني، أيضاً، أتذكر كم كنت أبيض وفارغاً وجاهزاً برعونة وسذاجة لأيّ امتلاء حينها منتظراً جنتي الجسدية، في أي مرفأ أصادفه، كانت أحلام مجرد مرفأ صغير مخادع في شكله الخارجي ارتحت فيه من رهق مراهقتي، تابعت بعده رحلتي مع مرافئ أكثر متانة وأشد صدقاً، نحو طائر روحي (السميرغ) الضائع، أتذكر جملة متحمسة ومتحمصة لصديقة: "إنت بس اقرأ (ذاكرة الجسد)"، ففعلت وفرحت وتوهجت، لكنني لم أعثر على اسمي أو منعطفي أو دربي، كانت (ذاكرة الجسد) مجرد طرف زقاق ضيق، تماماً كما فعل زقاقا حنا مينا، وإحسان عبد القدوس، ترى من يتذكرهما الآن؟ قوارب كتب كثيرة مرت في نهر روحي منذ تلك الأيام، حين أمد يدي إلى أحشائي لا أتعثر بقارب (ذاكرة الجسد)، فأعرف أن قوارب فوكنر وولف وماركيز وكاليفينو وميشو ومللر وكنفاني وميشيما وكواباتا ودستوفسكي وتشيخوف وأنسي ودرويش وأدونيس ونوبوكوف وكافكا ورامبو وادريس، وكازنتزاكي وولروكا ويتسوس قد ابتلعت قارب أحلام حتى لم تبق منه زفرة حب واحدة. رجل بمرافئ كثيرة تعيش فيه هو أنا الآن، لم أعثر على طائري الوهمي، ما زلت أبحر في سماء السؤال، مع زملائي المبحرين الرائعين، ولا أريد جواباً أو بيتاً لا أريد لا أريد.

4
لو طلب مني أن ألخص تجربة أحلام مستغانمي في الكتابة الروائية وفي التفكير بشكل عام بكلمتين لقلت: الكتابة الرحِمية.

5
من السهل أن يعجب أي شخص بعالم أحلام مستغانمي، وهنا مصدر غيظي، بمعنى أنه من الصعب أن تجد قارئاً يعجب بأحلام وكافكا في الوقت نفسه.

6
خلاصة حديثي هو أن الأدب نخبوي، أقولها بصوت مسموع، إعجاب الناس جميعهم بما نكتب إشارة قوية إلى خلل ما فيما نكتب، على كثير من الناس أن يهاجموننا، علينا أن نخيب ظن الكثيرين، الذين ينتظروننا لنتلمس أوجاعهم السطحية. يكفينا فئة صغيرة تحفر معنا في الصخرة نفسها، تنام على أغلفة كتبنا وترسل لنا عبر طاقة القراءة إشارات حب ودهشة، نحن موجودون لنكوي وعي الناس، لنرفع عنهم اللحاف في ذروة البرد، ونجرهم من ياقات نعاسهم ليحدقوا في لغة العشب تحت الثلج، لا لنتماثل مع شخيرهم ودفئهم العادي.

7
بعد عشر سنوات ماذا سيبقى من أحلام؟ لا شيء سوى آثار تنهدات عشاق عاديين، ونصائح لزواج موافق ومستقر، بعد ألف عام ماذا سيبقى من دستوفسكي سوى روح الوجود.

8
انتظروا رواية أحلام مستغانمي القادمة بعنوان (الدعوة دوت كوم).

1 التعليقات:

محمد الكمالي - أبو مشعل يقول...

أستاذ زياد
سعدت كثيراً عندما عثرت على مدونتك ، فأتمنى أن تتحفنا بكتاباتك الرائعة من خلال هذه المدونة,

رائعة هي كلماتك التي تخاطب النفوس وتؤثر فيها

وإلى الأمام دائماً

إرسال تعليق