قصص إربد ... قصص الجسد

الاسم
سمّاها صديقي مدينة الحلـم، سميتها أنا بيان (فينوس) الأخير، صديقنا الثالث الذي مات بالسرطان قبل عام لـم يسمّها أبداً، قال لنا: أمهلوني حتى أصبح إلهاً لأصعدها وأراها.

الوقت
كلـما سألني شخص: "كم الساعة الآن؟". قلت له: "إربد!!".

البنت
البنت التي هربت من بيتي في الحادية عشرة ليلاً، حدثت صديقاتها عني مفزوعةً: "يالغرابة هذا الرجل، بينما كنت أفتش في شفتيه عن نبيذ أو قرون غزال تعثرت بمدينة!!".

الطبيبة
الطبيبة الـمبتسمة التي كانت تعالج مسمار إصبعي، سألتني باندهاش: "أية مدينة هذه التي أكلت قدمك أيها الـمجنون؟".

الخروج
"لا أحد يخرج من إربد".
كلـما بحثت عن إطارٍ مكانيٍّ لنصٍّ جديدٍ، تتهيّج على كلـماتي أمكنة إربد، حتى لو كانت أحداث النص تجري في كوبنهاچن!!، إربد أفقٌ مكانيٌّ لكل نصوص العالـم.

الحبر
هذه الـمدينة شاعرة تكتب العالـم بحبر القلق، وتكتب القلق بحبر العالـم.

الضياع
دخلتها شريد الفكر؛ فضيعت على مداخلها جواز مروري، حين أخبرت الأصدقاء قلقاً، ضحكوا: كلنا أضعنا جوازات مرورنا على أبوابها، إربد تختبر طريقة مرورنا فيها؛ لترفضنا أو تقبلنا، شيء يشبه امتحان القبول.

الجنازة
في شارع بغداد أحبتني بنت، عند دوار سال، تخلت عني لصالح رشاقة جسد صديقي، أمام كافتيريا الجامعة عادت إلي، في شارع السينما خنتها لصالح ذكاء صديقتها، في شارع الهاشمي اعتذرت إليها، في شارع حكمة شاركت باكياً في جنازتها. كل ذلك وإربد تبتسم. مدينة الحياة هي، مدينة الحياة.

الفستق
في سجنها أمضيت أياماً بتهمة سرقة كيس فستق حلبي، سجنتني إربد؛ لأنني بالغت في حبها. هكذا بررت لنفسي غلطتي عائداً إلى بلادي.

القراءة
أن تقرأ في ثنايا شتائها العنيف (فصلاً في الجحيم)، سرقته من يدي صديقك الـمهندس الـمرخيتين بينما كان نائماً، أن تتحسّر لأنك لـم تشارك في جنازة الشاعر الفقير، (عابر الكون الهائل)، ولأنك لـم تكن أخته إيزابيل أو مدينته شارفيل.
أن تعتبر يوسف القعيد أهم روائي في العالـم، وتضحك على نفسك بعد ذلك بسنوات، إذ كيف أجلست رامبو مع القعيد في مقعدين متجاورين في روحك؟ أن تكتب أولى نصوصك وتسقطها من على شرفة، لتقرأها ابنة الخياط الصغيرة، ذات الأصل البخاري، أن ترتمي هائماً بين قدمي كلـماتها وهي تطيرها لك: أنت تكتب عني أليس كذلك؟.
أن تطارد متسولةً عجوزاً طرقت بابك في جنون مطر إربدي، طلباً لقرشين؛ فأهملتها لانشغالك برواية (مذلون مهانون)، ثم ندمت بعد نصف ساعة، خرجت نصف باكٍ، حافي القدمين، في يدك دينار كامل، ولـما لـم تجدها، صرخت في ليل إربد وريحها ومطرها، طوّحت بالدينار في الهواء، ابتلعته الريح، ترى نفسك فجأة تنقسم إلى اثنين أحدهما أنت والآخر (إيفان بتروفتش) ــ بطل الرواية ــ يشبعك إيفان صفعاً وتقريعاً: كيف تطرد عجوزاً سبعينيةً من باب بيتك؟ تبكي معتذراً على كتفه، تعودان معاً إلى بيتك، يعود هو إلى صفحات الرواية، تعود أنت إلى السرير، لتكملا معاً سيرة الذل، أن تفعل كل ذلك، فهذا يعني أنك عشت في إربد!!.

0 التعليقات:

إرسال تعليق