عايد عمرو يعوي ياسمينا


***

عوووووووو... وتنهض من ليل عوائه تلال من ياسمين الشعر والشمس والحب، سنفاجأ هنا بشعرية عايد روحاً ولغةً ورؤيةً، وسنتساءل مربكين: أين كان الذيب يخفي هذه الأنهار من الأحاسيس الشعرية الإنسانية؟ أفي جيوب بِذله الداخلية؟ أم في حقيبة السامسونايت السوداء الـمخبأة تحت سريره؟ أم تحت لسانه الـمعد لـملاحقة فاسدي البلاد؟ كان من الصعب علينا نحن مرافقي عايد في كل مكان وأصدقاء ذكرياته في رام الله ولبنان وإربد الإيمان بشعرية شخصيته، فهو رجل عسكري قاسي الـملامح والصوت والجسد، ربته كتيبة الـمشاة في بيروت على الانحياز للقسوة، على اعتبار أنها رديف الصلابة ومجاز الصمود، في وطن رائع ما زال يسرق منا بحسن نيته الجميلة إحساسنا اليانع بالجانب الآخر من الحياة حيث تنمو هناك غيوم وأغانٍ وأزهار وفنون ونساء، وأشواق، أخفى علينا الذيب القسم الرومانسي من شخصيته، أخفاه بخجل الـمقاتل في الـميدان، وذكاء الجسد الـمعذّب وهو يتمزّق تحت شروط بذلته العسكرية، التي خلعها عن جسده، تفرغاً لـميدان قتالي آخر هو الصحافة الشجاعة، لكنها لـم تخلعه عن قلبها ودلالتها الوطنية النضالية، فظلّ عايد في نظرنا جميعاً مقاتلاً عسكرياً حتى أمام حاسوبه في جريدة "الحياة"، والذي كان حصانه الـمتين لـمطاردة الكذابين والـمنافقين والفاسدين، يصادف اليوم، الثامن من كانون الأول، الذكرى الأولى لرحيل الذيب الذي لـم يسكت عواؤه مع سكوت قلبه، ففي كل مكان: في سوق الخضار وشارع ركب ومقهى الحمير ووادي الجنان حيث الجريدة، يعيش عواء عايد بهدوء أنيق الوجدان وحلو الـمشاعر، ونبيل الأهداف، نامياً ومزدهراً في هوائنا مع كل قصة حب تنمو على أطراف صدف معيقة لعينة، وحكاية دموع فقير خجول، على أطراف ظلـم.


عواء مفخخ بالياسمين

"ستكبرين،
وستتذكرين في أيامكِ أن ذئباً كان يعوي عليكِ"

(1)
...في مساحة الابتعاد
وبعد الـمسافات
هناك ضيق البصر
واتساع البصيرة
وخذلان أصابعي
عن لـمس شفتيكِ
لأقبلهما في ليلي الطويل
(2)
أقف على أبواب العتمة وحيداً
أمد يدي في الفراغ
أكون مثل متسول السوق
واثقاً أن عابراً سيمسكها
إلا أنني قبضتُ فراغاً...
وما عادت يدي
(3)
تلك الـمتاريس تلعنني
من الوصول
إلا أن الوردة التي أحملها
خبأتني في نسغها
وما وصلتُ بعد
(4)
يكفيني برعم أشمه
ليبقى وريدكِ وردكِ
(5)
لياليّ تكون مقمرة بكِ
ولكن هذا الليل طويل
فأي نجم يحضر
ولا يكون عابر سبيل
(6)
عندما أمصّ شهد رمانكِ،
وتنامين على صدري،
وأحتويكِ
ستعرفين أن فجرنا بعيد

ــــــــــــــــــــــــــــ


إليها... حيثُ تكون ولا أكون
"والـمشتعلاتُ بأوذارهنّ
و(ك...) تأخذني إلى الغواية"

(1)
أراكِ ترمين بين قدميك ما جنيت من أخطاء
لـم أكن أنتظرك
كنت مشغولاً بالتنقيب في عوائي عن معنى الأسى
فأي الـمعاني ترمينها
حتى لا تكتمل سيرورتي
(2)
هذا وجهكِ يضيء ليل سهري
نتسربل الحديث الدافئ وأغنيات
لي صوت يشبه عواء الذئب تماماً
وأجتر ذكريات
(3)
فمن يسقيك الـماء وأنت نائمة على سرير النار
تتكاسلين الوقوف
وأسمع بحة صوتك العطشى
أسحب نفسي لألقي القبض على يدكِ
الـمدى كان أخضر
وكنا قريبين من زهو الرمان
(4)
الليل في منازله الأخيرة
أرى السماء مزدحمة بالنجوم
وأنت كنت تغيبين ليلة أو ليلتين
تدخلني الهواجس
وعندما تهبط نجمة من علوها
أقول لها لا تهوي
إذا كانت أنتِ".

عايد عمرو
رام الله-شتاء 2008

شتاءٌ يجلس في غرفتي

تذكُر الأساطير الإغريقية لـ(ديدالوس) أنه أوّل من حاول الطيران في التاريخ، مستخدماً جناحين من شمع؛ فتحمّس ابنه (إيكاروس) لهذه الفكرة وطار، فاقترب من الشمس أكثر من اللازم؛ فذاب الجناحان وسقط (إيكاروس) وغرق في المحيط.
أما أسطورتنا معاً فتذكر أنني أوّل من حاول لمس الشمس في العالم، مستخدماً سلماً من ابتساماتك التي أهديتني إياها ذات رضى دافئ عني. وعند أول غضب منك عليّ توقفت عن الابتسام وهوى السلم بي إلى الأرض.
***
فوجئت بها في السوبرماركت تشتري ما أنوي شراءه، وتلبس لون معطفي نفسه، وتبتسم بطريقتي في الابتسام، وتمسك بيدها اليمنى طفلاً يشبه طفلتي التي أمسك بها. هذه المرأة كانت لي ذات سماء قديمة، وكنت لها، لم تعد الآن لي، لم أعد لها. اسمها سماء، اسمي زياد. اشتريت غرضي، اشترت غرضها، خرجنا معاً، دون الطفل والطفلة، اللذين بقيا يلهوان عند رفوف الألعاب، سمعنا أنفسنا ننادي على طفلينا بأسمائهما: يلا يا سماء، ناديت طفلتي، يلا يا زياد، نادت طفلها، وانشقت فوقنا سماوات الذكريات.
***
هي صفقة نعم، خذي نصف روحي يا غيوم، مقابل أن تختاري مفرق بيتي لتهطلي غزيرةً وعنيفةً فوق رأسها لتطرق مسرعةً باب بيتي محتميةً بي منك. بنصف روحي المتبقي سأهطل أمام شعرها المبلول تلالاً من المناشف.
***
ظاهرياً تبدو وكأنها أزمة مناخ، تحديداً انحباسات ريح وعواصف ومطر. باطنياً (وحدي من يعرف ذلك) هي أزمة ثقة بين عينيك والعالم، ببساطة، عيناك غاضبتان على العالم.
***
منذ برد 1996 والشتاء يجلس في غرفتي، فكلما تذكرت معطفك الكحلي الذي نسيته على الأريكة وأنت تركضين خارج البيت لتشاركي في تظاهرة أحداث النفق، وأنا أشعر بالبرد، البرد ومعطفك المنسي نفقاي المسدودان. ومنذ العام 2006 والصيف معلق على حائطي، فكلما رأيت وشاحك الصيفي الأحمر الذي نسيته على السرير وأنت تركضين إلى وسط رام الله لتشاركي في تظاهرة ضد الاحتلال شعرت بلسعات دم وشمس. الشمس الجهنمية ووشاحك حريقاي الأبديان، سيدة شتائي وصيفي: كفى.
***
الشتاء لعينيك: سأكون بيتك.
عيناك للشتاء: أريدك منفاي لا بيتي، فالمنفى أقرب إلى الحلم وتجاوز الذات ولذة البحث ولغز جوهر الوجود، أما البيت فهو مصيدة الرضى الكريه عن النفس، والتماثل مع الذات.
الشتاء: كوني منفاي إذاً لأكون منفاك ولأتعلم على يديك مدن الحلم.
***
الخامسة صباحاً في فلسطين: وحدي أقلّم شجر الفجر وأقشّر برتقالة الليل، وأنتظر كمثرى صوتك ــ فجري عند الخامسة والنصف.
***
العواصف المطرية القادمة هي عيناك وما بعدهما، أما ما يحدث في رام الله الآن من عواصف غبارية عنيفة فهو احتقان آثام كل من لم يصادف عينيك في الطريق.
***
على أطراف شعرك البدائي سوف أقيم نصي، وربما يوماً ما سوف تتمددين على أريكة الحلم لتقرئيني، فأنت السهرة والليل والأصحاب وحتى المغني الضرير.
***
ربما لا ينتبه الكثيرون إلى أن للبيت بيتاً أيضاً، فهناك بيوت مشردة بلا بيوت وهناك بيوت تسكن بيوتاً، ما أريد قوله هو أنك بيت بيتي.
***
تنكرت في هيئة ليل عميق وطويل القامة، صافحتك بحرارة؛ فنمت أنت على الفور؛ لأتفرج أنا منتشياً على مدينة نعاسك، وحين تنكرت في هيئة نهار صاخب دهستني سيارتك المسرعة فمت؛ لأكتشف بعد فترة أنني تنكرت في هيئة ميت لأتجسس على دموعك عليّ.

دعوا لبنان ينتصر على نفسه

(التنوع)، يا لهذه الكلمة الشاهقة التي تضيء في عقلي مثل حفلة عيد ميلاد مستدامة، وتنام في قلبي مثل طفولة منسية، منذ سنوات بعيدة، منذ تفتح وعيي الجمالي وأنا أتخيّل لبنان امرأةً نادرةً لا شبيه لروحها وعينيها، امرأة بشعر طويل ينبع من السماء ويصب في السماء، امرأة ذات كبرياء غريب، عصية على التصنيف والتعيين والاستقطاب والتفسير، لا أسوار تحوّطها، ولا آثام تعذبها ولا أساطير تذيبها، مفتوحة على الواضح والغامض، الجميل والقبيح، المريض والصحي، الليل والنهار، السماء والأرض، القدسي والمدنس، الصاخب والهادئ، لكن لا أحد استطاع فك طلاسم قلبها، كلهم يركضون خلفها لتمنحهم فقط حفنة نظرات، لكنها تواصل مشيها النبيذي الطيّب الفراشي الجناح والنسري النظرة، تستأذنهم بأدب، تدخل إلى مدائن أعماقها لتواصل هناك نحت نظريتها التي تشتغل عليها منذ ميلادها: الجمال الحقيقي غير قابل للتملّك، أنا لست لأحد منكم، أنا لي وللعالم ولله، أنا لطبيعتي، لا أريد أن أتحول إلى مختبر لمشاعركم ومعبر لنزواتكم وأساطيركم وحكايات ماضيكم وعقائدكم اليابسة، ومزاجيتكم العكرة، لا أريد أن أُنتهك كما تنتهك اللوحات أصالة المشاهد والصور الطبيعية، كالروايات والقصص والقصائد والمسرحيات والأفلام التي تزيف حقيقة الحكاية وطزاجتها وصفاء المشاعر وتفسد هواءها الأول البدائي، لكن الرجال ضيقي القلوب الباحثين عن متع عابرة غضبوا وراحوا يشنون عليها حروبهم وإشاعاتهم ونميمتهم متحرشين بشعرها الموجود ببراءة وكرم في كل مكان، وبابتسامتها الكريمة الجاهزة، ومنذ ذلك الوقت ولبنان / المرأة تعيش الدمار والهدم والقتل، والخراب، لكن لبنان ما زالت صامدة، لم تستسلم، رافضة تسليم خارطة مدائنها الداخلية إلى عصابيي الأسطورة، وشياطين الماضي وكارهي الجمال.
هذه هي الشخصية الحلمية التي كونتها عن لبنان، على افتراض أن كل شخص فينا لدية أسطورة شخصية يعيش عليها ردحاً من الوقت، ما زلت أؤمن بأن العالم المتوحش ما زال غير قادر على استيعاب جمال لبنان واتساعه للمتعدد والمختلف والمتنوع، عالمنا العربي ما زال يخاف التنوع، يرتعب من الاختلاف، وهذا هو سر هزيمته على المستوى الوطني والفكري والإنساني، كفلسطينيين تحديداً مؤسسات وأشخاص وفصائل، علينا أن نتأمل هذا الدرس، إذ لا مجال للواحدية والتفرد والتعصب إذا أردنا أن ننتصر على الاحتلال وننهض بالبلاد، حين قالت لي الصديقة الكاتبة اللبنانية البيروتية المسيحية عناية جابر، أثناء حرب تموز: إن أمها الشيعية عندها الآن بعد هربها من الجنوب، أحسست كم هو لبنان قوي باتساعه وتنوعه وتسامحه، وكم هي هزيمته صعبة على أعدائه، وأنا لن أنسى كلمات صديقي اللبناني أشرف الذي قال لي والحرب مستعرة: إن كل أقاربه ينحدرون من طوائف لبنان كلها، وهم مجتمعون الآن في ملجأ واحد، فأمه درزية وأبوه ماروني مسيحي وجدته لأمه شيعية، وجدته لأبيه سنية، هذا هو لبنان، الذي يجب أن ينتصر تنوعه، إنه التنوع والتسامح واحترام الاختلاف، تأملوا شخصية الإنسان اللبناني ــ نساء ورجالاً وأطفالاً وشيوخاً ــ وليدة هذا التنوع، إنه/ها، جذاب وخفيف وواسع ومتأمل، ومستمع وعميق ومبدع وذو صحة نفسية لا تخفى على أحد، في المقابل تأملوا شخصية الرجل الطالباني على سبيل المثال كم هو ضيق وكالح ومتشنج ومتشكك، ومريض وخائف وهزيل ومتلعثم ومحدد، لينتصر التنوع، لينتصر لبنان.


سفن الرواية الفلسطينية في الطريق إلى غزة

لن يلتقطها رادار بحرية الاحتلال، لن ترتعد فرائص باراك وليبرمان غضباً، لن يهددا باقتحام السفن؛ لأنهما سيتفاجآن بالسفن ترسو على شاطئ غزة، لندعهما الآن في جهلهما وعماهما، ستتبادل أجهزة الاحتلال اللوم، وستشكل لجنة تحقيق تحت عنوان واحد هو: (كيف دخلت هذه السفن غزة؟) لا أحد من حراس الحدود المتشنجين سيراها بمنظاره الكامن لكل منقار يتلقط عوداً لعش، وشجرة تمارس حقها في النمو، وطفل فلسطيني ينزلق إلى الوجود، بهدوء مبتسم ستدخل سفن الرواية الفلسطينية غزة قريباً جداً، هي في طريقها الآن، بعد أن انطلقت من ميناء إبراهيم طوقان، حاملة راية مكتوباً عليها: (الرواية الفلسطينية بين حركية التاريخ وأسئلة التجريب)، على سطح السفن سيُشاهد الروائيون الفلسطينيون يلوحون بالحب والحروف والدموع : جبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وغسان كنفاني وليانة بدر وليلى الأطرش وغريب عسقلاني وأكرم مسلم وسحر خليفة وأحمد رفيق عوض وخضر محجز وعدنية شبلي.
جميل جداً عجز تقنيات الطغاة حتى الآن عن إيجاد طريقة لتفتيش الرغبة أو الفكرة أو الشعور، جميل جداً عدم القدرة على اقتحام سفن الرواية واعتقال أبطالها وطرد مؤلفيها، كما حدث مع سفينة (مرمرة)، هي فكرة الشاعر عثمان حسين، والمؤتمر سيكون تحت رعاية مجلة (عشتار) واتحاد الكتاب في غزة، الهدف أن يكون للثقافة الفلسطينية كلمتها وسطوتها واقتراحها، وسط هذه الغابة من البنادق الغريبة والجراح المتهورة والمنفعلة وغير المفهومة وظلال الله وفتاوى العصر، أن يكون لفلسطين صوت آخر، لا هتاف لمجزرة فيه أو سعادة مؤدلجة ومؤجلة، ليست الفكرة كما يتوقع أن نخرق الحصار أو نتحدى الحواجز، هذا من نافل التصور، الفكرة هي أن نكون، أن نعرف الإنسان فينا، أن نصون قدرتنا على الحياة، ونتنشق زهور كرامة العيش، أن نستمتع ونعرف. لا مفاجأة في خبر المؤتمر، فهذه (البقعة الغبارية الرائعة) التي توهِمنا وتوهِم نفسها أنها مدينة تعودنا دائماً على أن تكون السباقة إلى اقتراف الإشعاع في زمن كابٍ ومتعب ذاهب إلى النوم، غزة تكره أن تكون متوقعة، تموت في وقت نحتاج فيه إلى الحياة، وتحيا في زمن يموت فيه الكل، غير مفهومة لكنها حية حية للغاية، بشكل منهك ومحير. سيناقش المؤتمر على مدار يومين عشر روايات فلسطينية عبر محورين: (الجيل والتيار)، مناقشو الروايات، هم نخبة من الباحثين والكتاب الذين يرافقون الروائيين على السفينة المبحرة الآن باتجاه غزة والتي من المتوقع أن تصل في منتصف الشهر المقبل.
مؤتمر غزة سيكون أول المؤتمرات في فلسطين التي تناقش الرواية الفلسطينية، وهذا مصدر شهي ومضاعف لاعتزار غزة بمبادرتها، الرواية الفلسطينية تحتاج فعلاً إلى مؤتمر، عشرات الروايات صدرت وما زالت تصدر، من مكرسين وجدد، نحتاج إلى أن نحلل ونفكك سياقات الرواية الفلسطينية وطنياً ووجودياً ووإنسانياً، ونتتبع مراحلها وندرس تياراتها وتقنياتها، ونتأمل زمنيتها وأمكنتها ومنافيها، وأن نفهم من الذي أضاف إلى فن الرواية عربياً وعالمياً ومن الذي لم يفعل؟ من احتمى بمظلة السياسي واشترى مجده الثقافي بانتمائه الحزبي؟ ومن الذي كسر التابو وعبر نهر الكتابة إلى الشاطئ الآخر مجللاً بالجرأة والفضول الجميل، ومن الذي وقف خائفاً على الشاطئ يراوح مكانه ولغته وفضاءه؟ من عمّق مفهوم الوطن ومن زاده تسطيحاً وابتذالاً؟ من طور لغة الرواية وأصغى إلى نبض الشارع والعصر ومن لم يفعل؟ أسئلة كثيرة تنتظر الباحثين الفلسطينيين، وتنتظرنا.
لا يذهب معظم أدباء غزة إلى النوم، إنهم ينتظرون على الشاطئ يحملون المناظير، يتلهون باللعب مع النوارس لعبة الظل والطائرات ومع الشمس لعبة الشروق الشجاع والخفي، ومع الموج لعبة الصخب والسمك، ينظرون إلى البعيد، وينتظرون جبرا وغسان وإيميل وآخرين.

عن حسن حوراني أجمل الغرقى ...



عن خرسي الـمفاجئ أمامه، رغم كل الكلام الذي (أُحوّشه) له، عن انثيال ذاكرة الـملح في الجسد عند قدميه، عن النسخة الأولى الضائعة من مخطوطة (بلادنا فلسطين) لـمصطفى الدباغ، عن رؤية روحي الـمكسّرة وهي تنسل من جسمي وتمشي على أطراف استسلامها السعيد إلى عينيه الهائجتين؛ لتحصل هناك على غِناها ونقصانها، عن خوفي الـممتع من يديه العميقتين، وصوته الكهفي وزمجرته وهمساته الليلية، سأكتب عن البحر، عن سؤال ضياعه وضياع سؤالي. عن دموع وذهول الشاعر أحمد دحبور أمامه في أولى الزيارات، عن قيساريا الذبيحة وهي تنتظر تحرشاته بقدميها ليوقظها من نومها عند الخامسة صباحاً، عن حدائق اللهاث الـمقدسة في رئة عيسى العوام، عن يد زميل مدرستي الذي يكبرني سناً والتي أغرقتني مازحةً في زحامه ذات طفولة بعيدة، في رحلة مدرسية مكتظة بالأوامر والـمساطر والطوابير والحدود. عن الجسد الأرجواني الـمجنون وهو يسحبني في ذروة عاصفة خريفية إلى بحر الجسد بالقرب منه، عن فراري الجبان من البحر الأول والثاني، عن سخرية الجسد الأرجواني مني ومن نصوصي الـممتلئة بالغوص والأسماك والـموج، عن منتحريه ومنتحراته الجميلات والجميلين، وعن الذين يفكرون الآن أو سيفكرون بعد قليل في اتخاذه ملاذاً أبدياً للسكن، أو ستارةً ضخمةً على نافذة القلب للاختباء عن الناس، سأكتب عن البحر، عن ذاكرة أمي الفارغة منه، عن خجل أبي السبعيني أمام هداياه، عن غرقى الهروب الكبير الذين كادوا يصلون لكنهم في آخر اللحظات سقطوا في فمه مستسلـمين، عن البنات الحائرات الـمحجبات الهاربات من عيون الأزمان وآذان التاريخ إلى شاطئ الاكتشاف، ورمل الضعف الجميل، عن لسعة سؤال تلـميذي أشرف: "أستاز: نفسي ألـمس البحر، وينه البحر؟ أنا بشوفه بس على التلفزيون وفي الأفلام"، عن حبي لله هناك، عن انفتاح نوافذ الاعترافات، عن ذكائي الذي ليس لي في فهم العالـم، والقدرة الـمفزعة على الاستنتاج، واسترجاع أشد لحظات الطفولة امتلاء بالبياض، وأشد لحظات الـمراهقة انهماراً بالأحلام، التي ما زالت أحلاماً، عن دموعي التي تشبه تضامناً ما أو استعطافاً ما أو غضباً ما، عن جزيرة العشب على طرف خاصرته وخاصرتينا، هي وأنا، في لحظة انفجار حسي فائضة وغير مفهومة، عن طعم الإجاص الأسمر في فمي للـمرة الأولى، عن صياح الشبان الحاسدين الوحيدين اليائس فوق تلة قريبة، عن نصي البحري الذي فقدته (مدينة من صرخات) والذي كتبته هناك بلساني. سأكتب عن البحر، عن صدفة أن تكون هي صديقتي، وليست الأخرى، عن حلـم السباحة فيه عارياً إلا من عريي، ذات ظلـمة شتوية مخنوقة، عن الرغبة في الـموت هناك بهدوء دون قبر أو جنازات أو بيت عزاء، فالنوارس جنازتي والـموج بيت عزائي، ورائحة البحر قبري، عن بلاد بلا بحر، وبحر بلا بلاد، عن حلـمي الدائم به وفجري الـمبلل به، سأكتب عن البحر، البحر، عن الرسام حسن الحوراني وهو يقول للأصحاب قبل أن يبتلع هو البحر: "أنا سعيد سعيد سعيد". سأكتب عن سعادة ولغز الـموت في البحر، عن صوت حسن وهو يسيل: من قال إن غرقى البحار أموات؟ لا يموت من يغرق في البحار، إنه يستبدل فضاءه اليابس بفضائه الرطب، كما إنسان يستبدل معطفه القطني بمعطف مائي، ليواجه العاصفة الـمطرية، لا غبار في البحار، ألا يكفي ذلك؟ لا كذب، لا زمن. لا يموت من يموت في البحر، لا يموت. حسن ابتلع البحر، لوح له بلونه فأتاه راكضاً، يسأل: كيف قبضت على جلدي؟ (أنا الإنسان). أجاب حسن وانحنى مبتسماً وملاطفاً بعينيه موجة أو سمكة ترقص على قدميه، هل هي لوحة أخرى دموية ومغامرة وقاتلة، عن بشري غريب لا تهمه حياته بقدر ما تهمه سعادته، من يجرؤ على القول إن السعادة هي الحياة فقط؟ يستدرج حسن البحر بكل أسماكه وبواخره وحيتانه وموجه وغرقاه ومرجانه إلى رئتيه الفراشيتين ليؤكد أو يعمق أو يرتل ارتفاع الإنسان وعبقرية كينونته؟ سأكتب عن حسن، عن البحر، عن فلسطين، عن الدباغ والعوام، عني، عنها.

يدها التي تبتسم

أجلس بجانبها في قاعة سينما ومسرح القصبة، نشاهد مسرحية نصف فكاهية محاطَين بحشد هائل من الضحكات والأنفاس، كان اسمها هيفاء، كان اسمي زياد، لا نتحرك، لا نضحك. من أنا؟ من هي؟. أمقعدان ناعسان في حديقة مدمرة؟
أحس يدي تتململ، أحس يدها تبتسم، أضغط على راحة يدها، أسمعها تتمتم بضع دمعات، أحني رأسها على كتفي، تهمس لي، أهمس لها:
ــ لنغادر، أرجوك، لم أعد أطيق هذا المكان.
ــ لنبق حتى المشهد الأخير، أرجوك، حتى المشهد الأخير.
في اللقطة الأخيرة من المشهد الأخير، وأمام بلاهة وذهول المتفرجين، كان زياد وهيفاء يخلعان عن جسديهما ثيابهما الأرضية الثقيلة، يسلخان بشرتهما الآدمية، يسحبان من عيونهما برفق وقلق وحب أجنحة شفافة من حرير مكسور، وموت ملون، يحلقان خفيفين فوق رؤوس الحشد الهائل، ينسلان من شقوق النوافذ إلى حيث لا يعرف أحد، الحشد الهائل يغادر المسرح مرتبكاً حائراً في شارع ما، من مدينة ما، كان رجل يغمغم لصديقته الخائفة:
ــ لماذا لا نتحول إلى فراشتين كهيفاء وزياد ونغادر هذا العالم؟
في غضون ليلة واحدة كانت رام الله، تتحول رويداً رويداً إلى مدينة من فراش يتطاير من شارع إلى شارع، من خوف إلى خوف، كانت المسارح فارغة، الستائر مسدلة، وحده فني الإضاءة، وقف في الظلام المخيف مذهولاً أمام جثث الممثلين المنتحرين.

عظام رابعة العدوية

زرت القدس أكثر من مرة ــ متسللاً طبعاً ــ من وراء الجبال ومن تحت الجسور، بعيداً عن أعين مغتصبيها.
لم يكن لمعظم زياراتي سبب سوى الحنين إلى مدينة تسكنني حدّ الجنون والضياع. ليست المسألة مســــــألة ذكريات شخصية بالطبع، فصحيح أني عشت فيها ألذ أيام حياتي... فالـــيد الناعمة الأولى التي أمسكتها في حياتي كانت هناك بجانب مقبرة، والشهقة العاطفية الأولى كانت هناك بجانب كنيسة، هل يجوز الحديث عن أشواق الجسد ومغامراته؟.في مضمار الانشغال بأحزان المدينة الوطنية والثقافية!! بالتأكيد سيشعر البعض بالحنق والاستياء؛ لأني لم أوفر الفضفضات الحسية حتى في مقال رصين يتحدث عن الثقافة والعروبة والوجع الاحتلالي؛ في نظري الأحزان والمباهج الجسدية لا تنفصل عن المباهج والأحزان الثقافية والوطنـــية؛ لأنها تشكل معاً كتلةً وجوديــــةً متماسكةً وحيةً ودالةً، توصل إلى حقيقة الحياة في أسطع تنوعها واختلاطها وحيويتها. القدس ليست التجارب العاطفية الشخصية فحسب، إنها أكبر من ذلـــــك بكثير، إنها تاريخ أمة وعنوان كرامتها، وجغرافيا انتصارات ونكسات ومنعطفات تاريخية هائلة وأرض لنهضة ومشعل للأديان وطريق لمستقــــــبل ضبابي لم ينقشع يوماً ما، القدس هي تاريخـــــنا المرتبك ومفتــــــاحنا الذي أضعناه، إنها بوابة هزات بلادنــــــا التاريخية والثقافية، بدايات نهضتنا ووطــــــن رموزنا التنويريين أمثال خليل السكاكيني وإسعاف النشاشيبي ونخلة زريق وعادل جبر وأكرم زعيتر وغيرهم، ثمة سؤال يحيرني من سنين، لماذا لا يمد العرب ــ مؤسسات وأفراداً وأنظمةً ــ أيديهم لمساعدة القدس ثقافياً، لنقل إننا يئسنا من دعمهم السياسي لأسباب كثيرة، ولكن ما الذي يمنع إنقاذهم الحياةَ الثقافية المقدسية التي تعاني الشلل والإحباط والاختناق، أدعو من هذه الزاوية إخوتي المثقفين العرب إلى وقفة جادة مع عطش القدس الثقافي، ولا أقصد بالوقفة الجادة المقالات والقصائد، بل التحرك بشكل عملي بالتعاون مع شرفاء الثقافة الفلسطينية؛ للحفاظ ثقافياً على وجه المدينة التي بدأت تفقد ملامحها العروبية.
القدس ليست لنا فقط، إنها ملككم، أيضاً، أيها العرب، إن بلاطات القدس القديمة لن تنسى وقع خطوات الجميل والرائع العراقي معروف الرصافي وهو يمضي بطيئاً وشامخاً باتجاه مقهى الصعاليك في باب الخليل، وإن أزقة القدس وقاعاتها وجمعياتها القديمـــة لن تنسى مثقفـــــها وأستاذها الكبير اللبنــــــــاني نخلة زريق، أعيدوا إلى القدس لســـــــانها المقطوع، وجلد وجهها المســــــروق، لا نريد صلاح الدين السياسي، أو الديني، فنحن نعرف أنه لن يعود، فهو محض وهم، أو مرض، محض أمنية، نريد صلاح الدين المثقف الذي يقتحم القدس بالنهضات الثقافية والحراك الفكري، يفجر فيها ينابيع الفكر التي جففها الزمان اللئيم.
الثقــــــافة هي حصننا الأخير، جبهتنا المتبقية، إذا انهارت فسنفقد خيطنا المتين الأخير الذي يدل على عمقنا، ويشير إلى ملامحنا، ويثبت هويتنا ووجودنا ويوصل إلى الآتي من أيامنا، إن وجود الغزاة في خاصرتنا وحول عيوننا وفي منابت شعر رؤوسنا، لا يثير الفزع ما دام دمنا ووعينا وقلبنا محصنين بفكاهة الجاحظ ووجــــــودية أبي حيان وحكمة أبي العلاء، وتسامح وتمرد ابن رشد.
فليبق هؤلاء الغزاة هنا، يحفرون في جسدنا رماحهم كل يوم، فمصيرهم ذات يوم إلى هاوية، لكن انهيار الثقافة وموتها، لا يبقي لنا ذريعة للبقاء كشعب يبحث عن ذاته المبعثرة في أصقاع المؤامرات والخيانات.إن المدينة التي تضم عظام رابعة العدوية شبه ميتة ثقافياً، إنها تحتضر.